أبي الفرج الأصفهاني

257

الأغاني

أنّ محمد بن حفص بن عمر التميميّ - وهو أبو ابن عائشة - انصرف من المسجد وهو يتولَّى القضاء ، فرأى أبا نواس قد خلا بامرأة يكلَّمها . وقال أحمد بن عمير في خبره : وكانت المرأة قد جاءته برسالة جنان جارية عمارة امرأة عبد الوهاب بن عبد المجيد ، فمرّ به عمر بن عثمان التيميّ وهو قاضي البصرة - هكذا ذكر أحمد بن عمير وحده - وذكر الباقون جميعا أنه محمد بن حفص . قال الجمّاز : وكانت عليه ثياب بياض ، وعلى رأسه قلنسوة مضرّبة [ 1 ] فقال له : اتّق اللَّه ، قال : إنها حرمتي ، قال : فصنها عن هذا الموضع . وانصرف عنه ، فكتب إليه أبو نواس : صوت إنّ الَّتي أبصرتها بكرا [ 2 ] أكلَّمها رسول / أدّت إليّ رسالة كادت لها نفسي تسيل / من ساحر العينين يجذب خصره ردف ثقيل متقلَّد قوس [ 3 ] الصّبا يرمي وليس له رسيل [ 4 ] فلو أن أذنك بيننا حتى تسمّع [ 5 ] ما تقول لرأيت ما استقبحت من أمري هو الأمر الجميل في هذه الأبيات لجنان من الرمل وخفيفه ، كلاهما لأبي العبيس بن حمدون . قال بن عمير : ثم وجّه بها فألقيت في الرّقاع بين يدي القاضي فلما رآها ضحك وقال إن كانت رسولا فلا بأس . قال ابن عائشة في خبره : فجاءني برقعة فيها هذه الأبيات ، وقال لي : ادفعها إلى أبيك ، فأوصلتها إليه ، ووضعتها بين يديه ، فلما قرأها ضحك ، وقال : قل له : إني لا أتعرّض للشعراء . من شعره يسأل عنها وهي في حكمان : حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال : حدّثنا محمد بن يزيد قال : كان أبو عثمان أخا مولى جنان ، وكان مولاها أبو ميّة زوج عمارة وهي مولاتها ، وكانت له بحكمان [ 6 ] ضيعة كان ينزلها هو وابن عمّ له يقال له : أبو ميّة ، فقال أبو نواس فيه قوله :

--> [ 1 ] مضربة ، من ضرب النجاد المضربة : أي خاطها . [ 2 ] بكرا ، أي لأول مرة . [ 3 ] في م ، أ : « سيف » . [ 4 ] الرسيل : الموافق لك في النضال . [ 5 ] مد : « لتسمع » تحريف . [ 6 ] حكمان : ضيعة بالبصرة لبني عبد الوهاب الثقفيين موالى جنان ، سميت بالحكم بن العاص الثقفي . وهذا اصطلاح لأهل البصرة ، إذا سموا ضيعة باسم زادوا عليه ألفا ونونا ، حتى سموا عبد اللان في قرية سميت بعبد اللَّه . وحكمان بالتحريك فيما يقول ياقوت ، وكسلمان فيما يقول صاحب « القاموس » .